قبل أيام قليلة، نشرَت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية مقالًا لافتًا كتبه إيه جي جاف، الذي يصفه ملفه التعريفي بأنه «خبير معترف به في الأمن الدولي وإدارة الأزمات والمخاطر الجيوسياسية». بدأ «الخبير» مقاله بالإقرار بأن الحرب الجوية المستمرة منذ ستة أشهر ضد إيران فشلت في هزيمة طهران، ثم طرح أفكارًا وصفها بأنها «خارج الصندوق» على الولايات المتحدة إذا أرادت «تحقيق أهدافها» والانتصار في الحرب. ووفقًا لجاف، لن يتحقق الانتصار إلا عندما تتفكك البنية المؤسسية الإيرانية، بما يؤدي إلى تقسيم البلاد إلى كيانات متناحرة.
وفي مقال نشره «ميدل إيست مونيتور»، يحلل الدكتور حسّان بخاري أفكار جاف، كما يتناول ما يراه استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى جر الولايات المتحدة إلى حروب متتالية في الشرق الأوسط، مستفيدًا من تكاليف الحرب المتراكمة ومن وهم تحقيق انتصار سهل وسريع.
أفكار جاف.. من تقسيم إيران إلى استنزاف الجيش الأمريكي
قبل مناقشة أفكار جاف «خارج الصندوق»، يتوقف الكاتب عند شخصية «الخبير» نفسه. ويلفت إلى أن جاف استهل مقاله بالقول إن «البنتاجون طلب، بحسب تقارير، هذا الشهر من محللين من خارجه تقديم أفكار مبتكرة بشأن إيران». ويحيل الرابط الموجود في الجملة إلى مقال آخر في «جيروزاليم بوست» يستند إلى تقرير لشبكة CNN، يفيد بأن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال دان كين، كان يبحث سرًا عن مخرج من حرب إيران.
ويرى بخاري مفارقة واضحة في ذلك؛ ففي الوقت الذي يبحث فيه البنتاغون عن أفكار لإنهاء الحرب، يطرح جاف أفكارًا لتصعيدها. ويعتبر الكاتب أن ذلك يكشف اختلافًا كبيرًا في الرؤى، وربما في الأهداف، بين جاف والتيار الصهيوني من جهة، والجنرالات الأمريكيين من جهة أخرى.
ويشير الكاتب كذلك إلى أن جاف نفسه أعلن، في مارس الماضي، وبعد عشرة أيام فقط من بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، «انتصارًا مدويًا»، زاعمًا أن «البيانات تحكي قصة حاسمة ولا رجعة فيها»، وأن معدل إطلاق الصواريخ الإيرانية «انهار بنسبة 92 في المئة». ويرى بخاري أن التناقض بين ذلك التقييم وبين إقراره لاحقًا بفشل الحرب لا ينبغي أن يدفع إلى اعتبار جاف مجرد «أحمق»، بل ينبغي فهمه في إطار استراتيجية أوسع.
ويشرح الكاتب أن إسرائيل، وفق تحليله، سعت إلى جر الولايات المتحدة إلى حرب مدمرة في الشرق الأوسط عبر إغراقها في مغالطة «التكلفة الغارقة». فقد أغرت واشنطن في البداية بأحلام تحقيق انتصار سهل، شبيه بما حدث في حرب الخليج الأولى أو بعملية اختطاف نيكولاس مادورو، مع إدراكها أن هذه الأحلام ستنهار لاحقًا. وعندما يتضح وهم الانتصار، تدخل الولايات المتحدة في مرحلة جديدة، تدفعها فيها التكاليف التي أنفقتها بالفعل إلى مواصلة التصعيد لتحقيق أهداف إسرائيل.
ويطرح جاف ثلاث أفكار رئيسية لتحقيق ذلك. تتمثل الفكرة الأولى في أن تعترف الولايات المتحدة بما يسميه «الاستقلال السيادي» لشعوب كردستان الإيرانية والأهواز وبلوشستان. أما الفكرة الثانية فتقترح تجنيد مليون جندي تحتاج إليهم الولايات المتحدة لغزو بري ناجح لإيران، عبر برنامج تجنيد يقوم على إعفاء المجندين من ديون تتراوح قيمتها بين 40 ألف و100 ألف دولار مقابل خدمة عسكرية تستمر من 24 إلى 36 شهرًا.
وتقضي الفكرة الثالثة بعقد صفقة مع الصين تتراجع واشنطن بموجبها عن بعض مواقفها تجاه تايوان، وتضمن لبكين استمرار تدفق النفط الإيراني إليها حتى بعد تدمير إيران، مقابل تخلي الصين عن طهران.
ويرى بخاري أن الفكرة الأولى تعني عمليًا الدعوة إلى تقسيم إيران، في نسخة جديدة من «خطة يينون». ويشير إلى أن دعم النزعات الانفصالية الكردية والبلوشية يمكن أن يخلق تهديدات خطيرة لوحدة تركيا وباكستان على التوالي، معتبرًا أن هذا الطرح يكشف، بحسب رؤيته، عن تصور إسرائيلي لحروب مستقبلية لا تقتصر على إيران.
أما الفكرة الثانية، فيراها الكاتب محاولة لإيجاد القوة البشرية اللازمة لحروب دائمة. ومع تصاعد المشاعر المناهضة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، يتساءل بخاري عن الوسيلة التي يمكن استخدامها لإقناع الشباب الأمريكي بالقتال في حروب الشرق الأوسط، ويجيب بأن جاف يقترح إغراءهم بإعفاء ديونهم.
لكن الكاتب يطرح سؤالًا آخر حول الجهة التي ستتحمل تكلفة هذا الإعفاء، ويرى أن دافعي الضرائب الأمريكيين هم من سيدفعون في النهاية مليارات الدولارات، بينما يخاطر أبناؤهم وبناتهم بالقتل أو الإعاقة في حروب بعيدة لا ترتبط برفاه الشعب الأمريكي.
ويرى بخاري أن الفكرة الثالثة أكثر إثارة للقلق؛ إذ يقترح جاف «رشوة» الصين بالنفط والتنازلات المتعلقة بتايوان مقابل التخلي عن إيران. ويعتبر الكاتب أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن الصين تمثل، بالنسبة إلى بعض كبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين، تهديدًا أكبر بكثير من إيران. كما يتجاهل الفارق الجغرافي الكبير بين إيران والصين من جهة، وفنزويلا والولايات المتحدة من جهة أخرى، فضلًا عن عدم تحديد طبيعة التنازلات التي يفترض أن تقدمها واشنطن بشأن تايوان.
غزة في قلب «اللعبة الإسرائيلية»
ينتقل بخاري بعد ذلك إلى عامل آخر يعتبره أساسيًا لفهم ما يسميه «خطة إسرائيل الاستراتيجية»، وهو قطاع غزة. ويشير إلى صدور تصريحات واضحة خلال الأيام الأخيرة عن وزراء إسرائيليين تكشف، بحسب رأيه، نية تفريغ القطاع من سكانه بالكامل.
ويرى الكاتب أن الهدف الإسرائيلي النهائي، وفق تحليله، ظل منذ البداية استكمال ما يصفه بالتطهير العرقي للفلسطينيين الذي بدأ مع النكبة عام 1948. ومنذ بدء حصار غزة عام 2007، اتبعت إسرائيل، بحسب بخاري، سياسة جعل القطاع غير قابل للحياة، بالتوازي مع استخدامه كساحة لاختبار الأسلحة عبر جولات متكررة من الهجمات والحروب.
ويقول إن هذه السياسة، التي يصفها بـ«الإبادة البطيئة»، تغيرت بعد هجمات 7 أكتوبر، ليصبح الهدف، وفق طرحه، تفريغ غزة عبر «إبادة سريعة» خلال بضعة أشهر. غير أن المقاومة الفلسطينية، التي وصفها بالعنيدة على نحو غير متوقع، إلى جانب الرفض القاطع من دول المنطقة، ولا سيما مصر، لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين، حالا حتى الآن دون تحقيق هذا الهدف.
ويرى الكاتب أن الضغوط الإسرائيلية الأخيرة على الولايات المتحدة لمنحها الضوء الأخضر لطرد الفلسطينيين قسرًا من غزة تكشف، بحسب تحليله، أن إسرائيل لم تتخلَّ عن أهدافها المتعلقة بالفلسطينيين حتى خلال حرب إيران. كما يعتبر أن انتقال اللاجئين الفلسطينيين إلى مصر سيمنح إسرائيل، وفق رؤيته، مكسبًا إضافيًا يتمثل في زعزعة استقرار مصر.
ويعرض بخاري تصورًا شاملًا لما يعتبره «خطة إسرائيلية» تقوم على دفع الولايات المتحدة إلى شن غزو بري واسع لإيران يشارك فيه أكثر من مليون جندي، بهدف تدمير الدولة الإيرانية وتقسيمها بدعم من الانفصاليين الأكراد والبلوش. ويرى أن ذلك قد يقود إلى مرحلة لاحقة تستهدف تركيا وباكستان، مع إضعاف باكستان نوويًا بعد انهيار داخلي ناجم عن أزمات اقتصادية وسياسية وعسكرية، بما يجعل الهند حليفة إسرائيل القوة الرئيسية في شبه القارة.
وبالتوازي، يرى الكاتب أن الخطة تشمل تفريغ غزة وجنوب لبنان من السكان، وزعزعة استقرار سوريا ومصر إلى درجة اندلاع حروب أهلية جديدة فيهما. ولتحقيق هذه الأهداف، تحتاج إسرائيل، وفق التحليل، إلى إبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن صراعها الاستراتيجي مع الصين، وتقديم تنازلات مهمة في قضايا حيوية مثل تايوان، بما يسمح لواشنطن بتركيز قوتها العسكرية على حروب الشرق الأوسط وتحويل موارد عسكرية مهمة من المحيط الهادئ إلى المنطقة.
ويضيف بخاري أن إسرائيل، في السيناريو الذي يطرحه، تسعى بعد إغراق الشرق الأوسط في الفوضى إلى الحلول محل الولايات المتحدة باعتبارها «الضامن الأمني» للسعودية، والسيطرة على المساجد الإسلامية الثلاثة المقدسة في مكة والمدينة والقدس، لاستخدامها أداة ضغط ضد أي محاولات إسلامية مستقبلية لمواجهتها، ثم إقامة «إسرائيل الكبرى» غير المعتمدة على المساعدات الأمريكية.
وبعد تراجع القوة الأمريكية بفعل الحروب والتمدد الاستراتيجي المفرط، يمكن لإسرائيل، وفق هذا التصور، أن تتجه إلى إقامة علاقة تعايش مع الصين باعتبارها القوة العالمية الصاعدة.
ويقر الكاتب بأن هذه الخطة تبدو خيالية وغير واقعية ومفرطة في الطموح، لكنه يشبهها، في نظرته، بما اعتبره نزعة لدى النازيين لرؤية أنفسهم باعتبارهم «عرقًا متفوقًا» محاصرًا ومضطرًا إلى المخاطرة بكل شيء. ويرى أن إسرائيل، في أعقاب 7 أكتوبر، فقدت ما تبقى لديها من عقلانية وإحساس بالتناسب.
ويستشهد بخاري بأستاذه شهيد عالم، الذي يرى في كتابه «الاستثنائية الإسرائيلية – المنطق المزعزع للاستقرار للصهيونية» أن انتصارات إسرائيل مؤقتة ووهمية في نهاية المطاف، لأنها تستدعي ردود فعل أعمق وأوسع من المجتمعات التي تعاني من آثارها، وأن استمرار إسرائيل في استغلال تفوقها سيقود خصومها تدريجيًا إلى بناء دفاعات قادرة على موازنة قوتها العسكرية وطموحاتها التوسعية.
الولايات المتحدة والعالم الإسلامي أمام اختبار حاسم
يرى بخاري أن توقع اعتراف الإسرائيليين بهذه الحقيقة سيكون ضربًا من الحماقة، بسبب ما يصفه بتأثير الأيديولوجية الصهيونية عليهم. لكنه يعتبر أن الولايات المتحدة والعالم الإسلامي بحاجة ملحة إلى إدراك ما يسميه «لعبة إسرائيل» للحد من الأضرار التي قد تلحق بهم.
ويستحضر الكاتب مؤتمر ميونيخ، قائلًا إن إيقاف هتلر في ذلك الوقت ربما كان سيحول دون اندلاع الحرب العالمية الثانية، كما يرى أن وقف الإبادة الإسرائيلية في غزة في نوفمبر 2023 كان يمكن أن يحول دون الوصول إلى حرب إيران وأزمة هرمز الحالية. ويحذر من أن عدم وقف إسرائيل الآن قد يؤدي، وفق رؤيته، إلى امتداد نيران الحرب إلى تركيا وباكستان ومصر وسوريا ودول الخليج، إلى جانب إيران وفلسطين ولبنان.
ويحذر بخاري من أن إسرائيل، وفق تحليله، تخطط لخوض الحرب حتى آخر جندي أمريكي، بينما قد يؤدي انخراط الولايات المتحدة في «لعبة إسرائيل» إلى استقطاب المجتمع الأمريكي وإضعافه، على غرار ما أحدثته حرب فيتنام من تداعيات أنهت رؤية الرئيس ليندون جونسون لـ«المجتمع العظيم». كما يرى أن ذلك قد يهدد الهيمنة العسكرية الأمريكية في المحيط الهادئ، ويقوض التفوق الاقتصادي العالمي للولايات المتحدة.
وفي المقابل، يدعو الكاتب العالم الإسلامي عمومًا، وتركيا وباكستان والسعودية ومصر خصوصًا، إلى دعم إيران في مواجهة ما يصفه بالعدوان الخارجي. ويرى أن «ميثاق مكة» الأخير بين باكستان وتركيا والسعودية لن يكتسب معنى حقيقيًا، وفق رؤيته، إلا إذا أعلن بوضوح أن إسرائيل تمثل أكبر تهديد للسلام، وحوّل القوة العسكرية والاقتصادية لهذه الدول إلى أدوات لمواجهة العدوان الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية ولبنان وإيران.
ويخلص بخاري إلى أن تحقيق السلام والأمن في الشرق الأوسط، وفق رؤيته، يتطلب هزيمة الدولة الإسرائيلية التي يصفها بأنها قائمة على الإبادة، وقيام دولة فلسطينية مستقلة. كما يرى أن توحيد موقف الدول الإسلامية في مواجهة العدوان الإسرائيلي سيحظى بدعم الصين وروسيا، وسيجبر الولايات المتحدة على إدراك أن إسرائيل تمثل عبئًا استراتيجيًا خطيرًا عليها.
ويختتم الكاتب باستحضار مقولة نيتشه: «أكثر أشكال الغباء البشري شيوعًا هو نسيان ما يحاول المرء فعله».
https://www.middleeastmonitor.com/20260906-israels-game/

